السيد محمد تقي المدرسي
23
محمد المصطفى (ص) قدوة وأسوة
ولذلك فهؤلاء لم يمتنعوا عن قبول الدعوة فقط ، بل أخذوا يسلكون معها مسلكاً معادياً ، وساروا في جبهة معاكسة تماماً ؛ فكل من أسلمَ قابلوه بالكبت والاضطهاد ، وحاولوا ردَّه إلى دينهم الخرافي السخيف . فكم من رجل منشرح الصدر ، ومنوَّر القلب اعترف بالنبي صلى الله عليه وآله ، فتعرّض للتعذيب والتنكيل من جانب قريش ؟ وكم من عبد أو أمة آمن بالرسالة فَهُدِرَ دَمُه ومات فداء إيمانه ! فهذا عمار قد عذَّبوه ونكَّلوا به . وهذا ياسر أبوه ، وهذه سُميّة أمّه قد قتلوهما قتلًا ! . ولم يكن نصيب النبي صلى الله عليه وآله من هذا التعذيب والأذى قليلًا . فإنه كان كلما سمع أنَّه عُذِّب أو أوذيَ أحدٌ في سبيل دعوته تألَّم وتأثَّر ، ولربما فاضت عيناه بالدموع . وبالإضافة إلى ذلك فقد كانت قريش تتعرض للنبي صلى الله عليه وآله بالذات ، إذ كان أبو لهب يرمي النبيّ بالحجارة ، وكانت زوجته تُلقي في طريق الرسول صلى الله عليه وآله الأشواك . وكان أبو جهل يحاول إثارة غضبه بإلقاء الفرث على رأسه وهو في الصلاة ، أو يرمي القذر في طعامه وهو يأكل ؟ . وشجَّ أحد الكفَّار رأسه الشريف بالقوس حتى جرت دماؤه على وجهه الكريم ! . وكان بعض آخر منهم يلطِّخون داره بالأقذار ، وقد يُلقون بها في فناء داره . أما السخرية والاستهزاء والتقريع ، فقد كانت تمتلئ بها أفواه الكفاّر ، ويصبُّونها على النبيِّ صلى الله عليه وآله كلَّ حين ! . وكان النبيّ صلى الله عليه وآله يقابل كلّ ذلك بصبر حكيم ، وحلم قائد ، وأناة نبيّ ؛ فإذا جاءت إليه طائفة من الكفّار استقبلهم بكل طلاقة ، ودعاهم إلى الدِّين بأحسن طريق ، فإذا لبّوا دعوته يكون ذلك خيرٌ ، وإلَّا فإنه كان